الإخوان المسلمون؛ جماعة أم جماعات ؟ 1-3 Al-Ikhwan al-Muslimoon: A Group or Groups? (1-3) (Arabic)

Developing Just Leadership

Abdurrahman Abou Zekry

Jumada' al-Akhirah 28, 1436 2015-04-17

by Abdurrahman Abou Zekry

“إن فكرة الإخوان المسلمين، نتيجة الفهم العام الشامل للإسلام؛ قد شملت كل نواحي الإصلاح في الأمة: فهي دعوة سلفية، وطريقة سُنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية”. – حسن البنا؛ رسالة المؤتمر الخامس.

رُبّما كان البنّا يتنبأ بما ستفترق عليه جماعته حين وصّفها هذا التوصيف، الذي أراد أن يجعله جامعًا لكل مجالات اهتمام المسلم، من وجهة نظره؛ فجاء من حيث لم يشته مُفرقًا. إذ يبدو أن البدء من جُزئيّات الإسلام وتفاصيله (نظريًا أو عمليًا) هو بطبيعته مدعاة تفرُّقٍ وليس رابطة اتحاد. ورُبّما كان سيّد قطب واعيًا بذلك حين رفض مجرَّد الحديث عن أية جزئيّات أو تفاصيل يُظن بها جمع شتات الأمة (مثل التقنين وطبيعة النظامين السياسي والاقتصادي إلخ)، بل رفض أي توصيف “إيضاحي” بشري للإسلام ونُظمه، ولو كان وصفًا لمجتمعه ب”المتحضِّر”؛ وقصر من ثم كل همّه على إعادة صلة الإنسان المسلم الشعوريّة والعمليّة بالوحي، وكلياته ومقاصده؛ كنطاقٍ مركزيّ يُعيد تلقائيًّا إنتاج تفاصيله التاريخية الخاصّة (ومنها الاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة) في سياق حركة المسلم في الأرض داعيًا إلى الله بنفسه وأهله وماله.

والمقولة الأساسيّة التي تتبنّاها هذه الثلاثية هي غلبة الانقطاع التاريخي على الاستمرار، في مسار جماعة الإخوان المسلمين؛ وأن افتراض الاستمرار الدائم ليس سوى حيلة نفسيّة وضرورة أمنيّة. مُجرَّد آليّة تحكُّم وسيطرة، داخليّة وخارجيّة؛ تتواتر الشواهد والقرائن على تأكيد وظيفتها، مما يجعل للانقطاع مقدرة واضحة على تفسير الأحداث. فالاستمرار حيلة نفسيّة يتم استبطانها من القواعد لسبب رئيس هو حاجة كل دعوة للانتساب (راجع مقالاتنا السابقة: إسلاميون أم مسلمون،والسلفية وعلمنة التديُّن)، وهو ضرورة أمنيّة تضمن دوام سيطرة النظام السياسي ومؤسساته القمعيّة على الجماعة، بسهولة استدعاء ماضيها “الإرهابي” إعلاميًا في أيّة لحظة، وإعادة تأويله بما يُلائم واقع الحال، ودعمه بقرائن وأدلة يختلط فيها الحقيقي بالمزيّف؛ ومن ثمّ محاصرتها سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وإعادة تجديد شرعيّة النظام السياسي المتهرئة باعتباره محاربًا للإرهاب، ومُنقذًا للعرب والغرب والعالم من شرور الإرهابيين. وبعبارة أخرى؛ فإن القطيعة التاريخية مع قناع الاستمرار الزائف جعلت من الجماعة مُجرَّد ألعوبة تُستكمل بها الواجهة السياسيّة للدولة ما بعد الكولونيالية، وذراع اقتصادي للسياسات الرأسماليّة التي تتبنّاها هذه الدولة بإيعاز من القوى الغربيّة. أي أن هذا الفصام كان سببًا ونتيجة، بذات الوقت؛ لتفريغ الخطاب والأيديولوجية الإخوانيّة من مضمونهما التاريخي، وذلك كما كان ازدواج الخطاب هو اﻵخر سببًا ونتيجة، لترسُّخ الفصام بين حقيقة الانقطاع ووهم الاستمرار وبين الخطاب والسلوك، ومن ثم غلبة الممارسات البراغماتيّة على الصلابة الأيديولوجية، ولو بغير وعي. بل أسهم هذا الازدواج في دعم ادعاءات الدولة، وقدرتها على الدعاية المضادة لـ”من يستخدمون التقيّة السياسية للوصول لأهدافهم”، وهي الأهداف التي أثبت واقع الأحداث، منذ 2011؛ تهافُتها وطفوليّتها وسخافتها، حتى بمعايير الدولة ما بعد الكولونيالية.

وتطبيقًا لهذه المقولة الأساسيّة؛ فإننا نُقسِّم جماعة الإخوان المسلمين إلى ثلاث جماعات منفصلة، على ما بينها من اتصالٍ ظاهري؛ لتميُّز كل منها بخطابٍ ذي معالم مُميّزة ورؤية مختلفة ومنطلقات مغايرة ومواقف خاصّة، إلى حد ما؛ من المجال العام والنظام السياسي. لذا؛ فإن موضوعنا ليس تتبُّع روابط الاستمرار التاريخي الواهنة باﻷساس، بل تناولها في معرض تتبُّع دواعي الانقطاع وأسبابه، وذلك من خلال سرديّة تحليليّة لمسار الجماعة منذ نشأتها. فنحن نرى أن الجماعة الأولى قد انتهت بمحاصرة مؤسسها ومُرشدها بعد قتل النقراشي، وماتت ربّما قبل قتله غيلة في 1949. ثم جاء التأسيس الثاني على يد حسن الهضيبي، وهي الجماعة التي انتهت عمليًا داخل المعتقلات، وقُضي عليها بالكليّة في محنة 1965. أما الجماعة الثالثة فهي التي بدأت بالتبلور منذ شرع السادات بإطلاق سراح الإخوان من المعتقلات، مطلع السبعينيات؛ واستقرَّت ببيعة التلمساني مرشدًا لها منتصف العقد، وهي الجماعة التي نعرفها اليوم.

…..

لقد اختلط في خطاب الأستاذ البنّا الهمّ الدعوي برغبة واضحة في حيازة السلطة السياسية، باعتبارها أداة أصيلة ومركزيّة من أدوات التغيير في رؤيته؛ ومن ثمّ أثمر خطابه الحشدي الجماهيري تنظيمًا جمع أخلاطًا مٌتباينة تبايُنًا شديدًا في المنطلقات والأهداف. تنظيمًا أقرب للتيارات المفتوحة، من حيث تنوّع التصوّرات؛ التي تفتقد للحد الأدنى من التجانُس (أو الأدلجة!). صحيح أنه اجتهد طويلًا في محاولة الوصول لقدرٍ من التجانُس الفكري والعقدي، بل والطبقي أحيانًا؛ وذلك من خلال الجوالة على سبيل المثال. إلا أن عجزه عن الوصول بالجماعة/الحركة/التيار إلى إجماعٍ حقيقي قد تجلى في تشظّي الجماعة تمامًا بعد حلّها، ومحاصرته؛ حتى روى بعض المقربين منه، في تلك اﻵونة؛ أنه لو عاد به الزمن لانتقى مئة شاب وتفرَّغ لتربيتهم. وربّما كان ذلك التبايُن هو دافعه الأهم لإنشاء “النظام الخاص”، لاصطفاء “نخبة” التنظيم العام الأكثر تجانُسًا ودمجهم في بنية أكثر صلابة، ومن ثمّ تيسير ترشيدهم وإعادة صياغة تصوّراتهم، وصناعتهم على عينه. وقد كان المنجز الوحيد لذلك النظام هو بطولاته في حرب فلسطين، والتي فاقت الجيوش النظامية؛ قبل أن ينقلب وجوده وبالًا على الجماعة، ويُفلت عقاله من يد البنّا، فيكون جموحه سببًا في تحطيم جماعته الأولى، واختراقه سببًا في تحطيم جماعة الهضيبي الثانية، ودمجه في النظام السياسي للسادات سببًا في تشظّي الجماعة/الحركة وتفتُّتها إلى حركات قُطرية وحزبيّة صغيرة؛ يسهُل التلاعُب بها وتوظيفها.

لقد جسّدت جماعة الإخوان المسلمين الأولى، التي أنشأها البنا؛ الحركة الإسلاميّة في مصر، وأهم “حركة” إسلامية في العالم؛ وألهمت المسلمين حركيًا وتنظيميًا في أنحاء المعمورة، لكنها عجزت عن جمع شتات تصوّراتهم قبل ظهور سيّد قطب، كمسئول لقسم الدعوة ومُنظر للجماعة الثانية؛ والذي حققت كتاباته المتأخرة، لأول مرّة في تاريخ الحركة الإسلاميّة المعاصرة؛ قدرًا غير مسبوق من الإجماع العالمي “النظري” على المنطلقات والوسائل التي يُمكن تبنيها حركيًا.

كان البنّا هو قُطب الرحى وحجر الزاوية ومركز الدائرة الإخوانيّة، في الجماعة الأولى؛ ليس باعتباره مؤسسًا فحسب، بل لأنه لم يكن مُنظرًا، وإنما كان حركيًا “مُجرّبًا” مُبتدعا. وإذا كان من العبث اعتبار تراثه الحركي نهائيًا وصالحًا لكل زمان ومكان، فمن قبيل اللغو اعتباره مُنظّرًا صاحب رؤية واضحة للمسار الحركي وروافده المعرفيّة. لقد كان البنّا خطيبًا مفوّهًا ذا حضورٍ آسر، دؤوب الحركة عالي الهمّة حسن النيّة؛ لكن حضوره لم يكن بالحرارة والعمق الكافيين، اللذين تنصهر بهما نُخبته في بوتقة نظريّة لم ينشغل بها أصلًا، كما اعترف في مذكّراته. تلك النخبة، المصطلح على تسميتها ب”الرعيل الأول”؛ التي انقسمت طبقيًا بعد استشهاده، وكان لانقسامها مآلات سنتتبعها لاحقًا.

وقد انتهت الجماعة الأولى بوفاة حسن البنا، وكان من المستحيل عمليًا إعادة إحيائها في غيابه، مع تمرُكزها كُليًا حول شخصه؛ بغير إطار نظري واضح وكثيف. ولعل هذا ما أدركه الهضيبي حين اختار سيد قطب لقسم الدعوة. لقد أدرك الهضيبي أن سنّه وتجربته وطبيعة شخصيّته لا يسمحون له ببذل نفس الجهد النفسي والتنظيمي والتربوي، الذي بذله البنا؛ لإعادة بناء الجماعة حوله كمرشد/مركز جديد. وربما كانت طبيعته كقاض، يُفضّل الاحتفاظ بمسافة بينه وبين الجمهور؛ هي التي حتّمت عليه ذلك الاختيار. اختيار تمركُز الجماعة حول دعوتها لا حول شخصيّة مرشدها. لقد كانت شخصيتا البنا والهضيبي تقعان على طرفي نقيض. فعلى عكس القاضي المُسن المتحفِّظ، الذي قد تُفسّر أفعاله أحيانًا باعتبارها تعاليًا؛ كان البنّا مُعلّمًا نظاميًا شابًا، خالط الأطفال والشباب والرجال والكهول، والعمال والفلاحين والتجار والموظّفين والسياسيين، وآكلهم، وسامرهم، وصادقهم، وخطب فيهم على المقاهي، ونام في بيوتهم، وارتحل للقرى والنجوع مُتابعًا أحوالهم ومشاركًا في أفراحهم ومواسيًا في أحزانهم. كانت طاقته الشخصيّة هي الجماعة، كل الجماعة.

لكل هذا اختلطت في مسار البنا التجريبي سمات الحركات السياسية وسمات الحركات الاجتماعيّة، معًا؛ بحسب التعريف الغربي. أما جماعة الهضيبي فقد غلب عليها الخطاب الدعوي، وهيمن كُليًا على السياسي. لقد جاء الهضيبي من خارج الجماعة، فهو بلا رصيد بين أفرادها، يسلس به قيادهم؛ بعكس صالح عشماوي مثلًا. لذا؛ كانت إعادة بناء الجماعة حول شخصه من جديد، بفرض إقباله هو على ذلك؛ أمرًا عصي التحقُق لأسباب موضوعيّة ونفسيّة كثيرة. وهو ما يبدو أن “أرستقراطية” الرعيل الأول قد أدركته جيدًا، وقصدت لاستغلاله كما سنُبيّن لاحقًا.

لقد اصطبغ مسار الهضيبي بترجيحه الواضح للحركة الدعويّة، ومن ثم هيمنتها على مسار الجماعة، وانكماش مساحة العمل السياسي المباشر إلى أدنى درجاتها؛ إلى الصفر تقريبًا. وإذا كان خطاب الجماعة الثانية، وخطاب الهضيبي نفسه؛ دعويًا يطوي قدرًا من النخبويّة، كما يتجلى مثلًا في مجلة المسلمون التي كان سعيد رمضان يُصدرها منذ عام 1951؛ فإن ذلك يعكس محاولة الهضيبي لتحقيق التجانُس التنظيمي البرّاني من خلال إجماع على تصوّرات جوانيّة تُعيد تشكيل النطاق المركزي، ومن ثمّ تخلق الفعاليّة الفرديّة والاجتماعيّة بدوافع حقيقيّة؛ لا من خلال زيادة مُعدّلات الترشيد البرّاني داخل التنظيم كما فعل البنا. لقد كان وجود الهضيبي على رأس الجماعة ليس مجرد إنضاج لمسيرة الحركة الإسلامية تنظيميًا فحسب، بل أنسنة لوجودها في المقام الأول، واستنقاذًا لها من قفص الترشيد التنظيمي وقيود الحداثة والحزبيّة. وقد اختلطت الأسباب الذاتية والموضوعيّة التي حدت بالمرشد الثاني لتفضيل التجانُس العقدي ومنحه أولوية على تجانُس البنية. وإذا كانت طبيعته كقاضٍ حتّمت عليه ذلك، كما أسلفنا؛ فإن مروق النظام الخاص وقيادته، وانفلات عقالهما من يد البنا؛ جعلا الهضيبي لا ينظر بعين الريبة إلى ذلك النظام فحسب، بل يرى في وجوده خطرًا يُهدد الجماعة-الدعوة، ومن ثمّ يزداد اعتمادًا على الدعوة المجرّدة، جنبًا إلى جنب مع سعيه لتفكيك النظام الخاص؛ وهو ما سهّل على عبد الناصر آنذاك اختراق ذلك النظام وتوظيفه لتقويض الجماعة.

أما جماعة التلمساني فقد غلب السياسي في خطابها وممارساتها على الدعوي بشكلٍ واضح، حتى ليبدو الدعوي، في بعض الأحيان؛ كأنه تآكل. وهو خطاب نخبوي أيضًا لكنه لا يختار مُتلقيه بمنطق دعوي مثل خطاب جماعة الهضيبي، بل بمفردات حزبيّة وسياسية حشديّة، تتقاطع مع خطاب البنا؛ مُضافًا إليها مُفردات طبقيّة واضحة، حتى صارت الجماعة رابطة حزبيّة للمهنيين والتكنوقراط من أبناء الطبقة الوسطى بشرائحها، فضلًا عن أبناء الطبقات الدنيا الساعين للانعتاق من خلال التعليم الجامعي المجاني، وعلى رأسهم الأعداد الكبيرة من دارسي العلوم الطبيعيّة؛ أهم مؤشرات علمنة الحركات الإسلاميّة على الإطلاق.

وفي هذا التنظيم الثالث انتفى الاختلاط، أو كاد؛ بين الدعوي والسياسي، وصار بالإمكان تصنيف جماعة الإخوان باعتبارها حركة سياسيّة محضة، ومن ثم كان تأسيس الجماعة لحزب سياسي، بعد 25 يناير 2011؛ مآلًا طبيعيًا تأخر لأكثر من عقد ونصف من الزمان بعد إجهاض أملها في حزب الوسط. لقد اكتسبت الجماعة الثالثة كثيرًا من صفات مُرشدها “الأول”، ومؤسسها الدمث؛ عمر التلمساني. ليست صفاته النفسيّة ورقّة حاشيته ووداعته وليونته للحوار فحسب، بل اكتسبت كثيرًا من طابع مهنته كمحام. فعلى عكس القاضي، الذي يرى أن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم؛ فإن المحامي مراوغ بطبعه، فوظيفته الحقيقية ليست الدفاع عن “المظلومين”، بقدر ما هي استنقاذ موكليه اعتمادًا على الثغرات القانونية. فإذا كان عمل القاضي أخلاقي، من وجهة النظر القانونية؛ فيُمكن اعتبار عمل المحامي أكثره لا أخلاقي، من ذات المنظور. ففي حين يجتهد القاضي لتأويل النصوص القانونية، استلهامًا لروحها وتحقيقًا للعدل كقيمة مجرّدة، يعمد المحامي غالبًا لتفكيك نفس النصوص وضربها ببعضها البعض؛ لتحقيق مصلحة موكّله اﻵنيّة، ولو تعارضت مع قيم مثل الحقيقة والعدل. صحيح أن المحامين فيهم الشريف والخسيس، لكن التعميم هنا يُقصد به تتبُّع النمط الرئيس في الممارسة المهنيّة؛ النمط الذي يصطبغ به لاوعي الشخصيّة إلى درجة كبيرة، ولو خالفته بعض سلوكياتها الواعية. ورُبّما يؤكد هذه الطبيعة ما تواتر من شهادات على هيمنة النظام الخاص على جماعة التلمساني منذ اللحظة الأولى، بل وعلمه بذلك، وقبوله به؛ وهو ما استحال تحقُّقه في جماعة الهضيبي. وقد اشتهر مثلًا دور كمال السنانيري (قيادي النظام الخاص) في دمج ما سُمي بجيل الوسط، والقسم الأكبر من الجماعات الإسلامية بالجامعات المصريّة؛ كقاعدة “شبابيّة” بٌنيت عليها الجماعة الجديدة، التي خرجت من المعتقلات ببضع قيادات تآكلت قاعدتها التنظيمية تقريبًا.

…..

في الحلقة التالية نستكمل التحليل على خلفية الحقب السياسية المتعاقبة، ومن منظور العلاقة مع النظام الحاكم؛ فإلى الملتقى.

Courtesy: ida2at.com

Privacy Policy  |  Terms of Use
Copyrights © 1436 AH
Sign In
 
Forgot Password?
 
Not a Member? Subscribe

Loading...